18 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
عاجل

سيمون دو بوفوار وانتهى كل شيء

هاشم شفيق

تُحسب سيمون دي بوفوار في خانة كتّاب السيرة الذاتية أكثر مما تُحسب على الرواية، حتى رواياتها تقترب في بعدها الجمالي من السيرة الذاتية، فهي ساردة من طراز رفيع في سرد اليوميّات، وتسجيلها بدقّة متناهية، وتدقق حتى في الدقائق والثواني داخل ثنايا الكتابة. تسافر وتكتب، تجلس في المقهى وتكتب، في غرفتها تكتب، في صالونات الشاي تكتب، في الطائرة تكتب إذا كانت المسافة طويلة زمنياً، وحتى في الحانات التي تزورها لا تتوانى في إخراج قلمها، لتسجيل شيء ما يخصّ تلك اللحظة وذلك المكان.

وقد تجسّد ذلك في كتب لافتة ومثيرة ومؤثرة في وسطها ومحيطها وزمنها الذي صدرت فيه، لتكون الأكثر مبيعاً، والأكثر متابعة صحافياً وإعلامياً، والأكثر تداولاً في الوسط الثقافي، ككتبها التي سبق لي قراءتها «الجنس الثاني» و»قوّة الأشياء» و»قوّة العمر» و»المثقّفون»، هذا غير السير الذاتية واليوميّات والمذكّرات التي يكتبها الآخرون عنها وعن رفيق دربها المفكّر والفيلسوف الوجودي جان بول سارتر، وكان آخرها «ذكريات باريسية»، بقلم الأمريكية ديردر بير، وهو سيرة ومذكرات للكاتبة تُدوِّن فيه يوميّاتها مع سيمون دوبوفوار. وهي الطريقة ذاتها التي تدوّن فيها دوبوفوار يوميّاتها، طريقة لافتة تضعك مع الحدث والخبر والتفصيل اليومي، وكأنك معها تعيش اللحظة ذاتها، بأسلوب مشوّق ومثير ومتحرّك في الأزمنة، جامعاً كل دقائقها في سطور مرهفة ودقيقة في تقديمها للأحداث والوقائع واليوميّات المُلهمة، المترعة بالتفاصيل الحارّة، وكأنك تعيش تلك اللحظات الآن، في الوهج ذاته والحياة ذاتها، وهي تُتلى على شكل شريط شعري يتخطى النسق السينمائي، إلى الزمن الحياتي الحالي لتشعر معها بفتنة الزمن الذي مضى ولكأنّه لا يزال يسطع ويضيء بلحظته الأبدية الحاضرة.

عاشت سيمون ديبوفوار حياة مثاليّة، مفعمة بشتى صنوف الوجود والتحوّلات التي شهدها عصرها، من ثورات وصراعات وحروب، فهي مَن شاهد وعاصر عن كثب مرارات الحرب العالمية الثانية، وهي أيضاً شاهد نادر على حرب الجزائر، وما خلّفته من جروح في كلا البلدين، ولا سيّما في البلد المستعمَر، حيث طرحت عبر فلسفتها الكونية تساؤلات عن مصير الإنسان في البلدان الفقيرة، وعن مصيره كذلك في بلدان سيطرتْ عليها النخب البورجوازية، فضلاً عن كونها مغامِرةً من طراز متقدّم. سافرَت وغامرَت وعشقَت، وأحبّتْ بلداناً وسواحل وعواصم حلّت فيها لتكرّمها، والتقت رؤساء دول وقادة مناضلين، كانوا يعملون من أجل تحرر بلدانهم من القوى الكولونيالية الكبرى، فاستقبلها مع رفيق دربها جان بول سارتر جمال عبد الناصر، فأحبّت هدوءه وحزنه وكلامه المتّسق والموزون، وأشادت بطلّة مساعده للشؤون الثقافية والإعلامية، الذي كان قصيراً مع ابتسامة مميّزة لا تفارقه، ألا وهو الكاتب محمد حسنين هيكل، كما أنها لا تنسى المأدبة التي أقامها لهما الكاتب توفيق الحكيم في القاهرة.

ومن مصر ستنطلق إلى غزّة، لترى هي وسارتر عن كثب ما كرّسه الاحتلال هناك، فغزّة في تلك الأثناء كانت خاضعة للسلطات المصرية. هناك رأيا كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم في الخيام، وكيف هو الواقع هناك ماثلاً للعيان، وكيف يعيش الأطفال والشيوخ والنساء تلك الوقائع المُرّة التي خلّفها الاحتلال لهم.

كان سارتر ودوبوفوار وعبر الانسجام الفكري لديهما كونهما مستقلَّين، لم يقفا إلى جانب أحد، وهذا بالطبع ديدن العقل الأوروبي، حتى مع الفلاسفة الكبار، بسبب ما رسّخه العقل الأوروبي من قضايا النازية والفاشية في ذهنيتهما كالمحارق ضد اليهود مثلاً.

في كتاب سيمون دوبوفوار «وانتهى كل شيء»، بترجمة من محمد فطومي، تُسجّل ديبوفوار كل شيء في أسفارها هي وسارتر، حيث كانت الدعوات تنهال عليهما من بلدان كثيرة، فكانا يسعيان إلى تلبية المفيد منها، باللقاء مع الناس، إلقاء المحاضرات، والانحياز إلى القضايا الإنسانية العادلة، فعلى سبيل المثال أقاما محكمة لمحاكمة العقل الحربي الأمريكي، ومعهم كتاب كبّار، من ضمنهم البريطاني برتراند رسِل، الذي كان حينها في الرابعة والتسعين من عمره، ولقد شهدت المحكمة عدّة جلسات، عقِدتْ في ستوكهولم وكوبنهاغن.

أحبّت دوبوفوار ستوكهولم في الليل وبعض حاناتها ومطاعمها، ولكن الصحافة السويدية لم تتعاطف كثيراً مع ما كانا يقدّمان، بخصوص الشهادات التي كان يُدلي بها الفيتناميّون وحتى من الجنود والضباط الأمريكيين، الذين كانوا يقومون بأفعال إجرامية مهولة ضد الشعب الفيتنامي، ومن ضمنها أقوال واعترافات لضابط أمريكي، كان يقوم بنفسه بتعذيب المناضلين الفيتناميين، وهذا ما تمّ تطبيقه بعد أكثر من نصف قرن في العراق، ولا سيّما في «سجن أبي غريب»، وتشهد عليها جرائمهم التي قاموا بها هناك، وأيضاً ينطبق هذا على ما يقوم به تلامذتهم، جنود الاحتلال الإسرائيلي، من جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني المقهور، منذ ثمانين عاماً على أرضهم المستلبة بقوة الأمريكيين والبريطانيين وغيرهم من الحلفاء الأوروبيين.

تذكر سيمون ديبوفوار حوادث رهيبة، عما قام به الأمريكيون في فيتنام، حيث تروي إحدى الفيتناميات للمحكمة كيف أُخضعت للتعذيب بطريقة تُسمّى «الرحلة في الغواصة»، وهي مستمدّة من طرق تعذيب في القرون الوسطى، «حيث عُلقتْ من معصميها، وشدّوا وثاقها نصف عارية إلى شجرة مغطاة بالنمل، الذي كانت لسعة منه تسبب قروحاً وحروقاً لا تحتمل… في إحدى المرّات دلقوا على رأسها دلواً مليئاً بالقيح، بصاق المسلولين، القيء، مياه اغتسل بها مرضى بالجذام، هذا المقطع صعقني أكثر من أنواع التعذيب الأخرى»، وتسترسل سيمون دوبوفوار في تتبع الشهادات المرعبة، وهي الكاتبة والفتاة الرقيقة والتي تربّتْ وسط عائلة واثقة ومتّزنة قائلة، «أما الثانية فكانت شيوعية، أُحرقت بالحديد الأحمر وعُذّبتْ إلى حدّ أصبحت مصابة بالصرع»، وتضيف عن شهادة أحد الأطباء الذي وصل إلى المحكمة، وهو ألماني أشقر، كان عمله جراحاً في مستشفى، قدّم مقالاً في منتصف الستينيات إلى مجلة «الأزمنة الحديثة»، ناقلة عنه ما رواه لهم: «انفجارات في كل مكان، مساحات شاسعة مدمّرة بالمواد الكيميائية، مشهد رماد، ينقل الشبّان بالطوّافات، وسط التحقيق مُعذّبين، ويلقى بهم في السجون، حيث يموتون.. الحروق، التشوّهات الخلقية التي خضع لها السكّان بشتى أنواع الأسلحة، قذائف عنقودية، نابالم، فسفور… رأينا أمريكيين ضخام الجثة يعبثون بجنود فيتناميين وهم يضربونهم بالأرجل على الخصيتين، ثم يطلقون النار على القفا، وأحياناً في الشرج للضحك" .

إنه كتاب مثير وأنيس حقّاً لسيمون ديبوفوار ككتبها السابقة.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها جريدة المدى، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: جريدة المدى — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.