18 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث

قناطر: في تحية مهرجان بابل للثقافات

طالب عبد العزيز

حين أوصلني الصديق الشاعر (رياض الغريب) بسيارته الى مرآب الحلة العمومي؛ ولمحته وهو يطمئن عليَّ مستقلاً سيارة الجارجر الذاهبة الى البصرة رفعت يدي محيياً وشاكراً. تركتُ الحلة ورائي فقيرة، فهي بلا مشاريع إعمار أو تطوير، فلم ألحظ شيئاً ذا بال، حتى أنني قلت: هي تشبه البصرة قبل عشرة أعوام ربما، أو أكثر، لكنني استدركتُ: لا فالبصرة كانت أجمل آنذاك، وكنتُ أعيش حيرة صديقي، مدير مهرجان بابل للثقافات د. علي الشلاه وفريقه الجميل، الذي رأيته يكابد قضايا مثل تأمين سكن وتنقلات وإطعام المدعوين، المشاركين من داخل وخارج البلاد، وهي قضايا أساسية في إنجاح المؤتمرات بكل تأكيد.

لم يتسن لي حضور حفل الافتتاح في المَدرج أو المسرح البابلي التأريخي الشهير، فقد وصلت متأخراً؛ لكنني فوجئت بجماله، حين طالعته على الانترنيت، كان شيئاً باهراً بحق. شيءٌ كليٌّ عرَّفنا بقيمة ما لدينا، ونريد أنْ نضنَّ به على أنفسنا ومستقبل أجيالنا، شيءٌ أشتملَ على صورة الحكمة والفن والادب والحضارة والانسان العراقي في البقعة الاقدم عند شعوب الأرض، فكانت الموسيقى-ترسنا في مقارعة الظلام- أعلى وأكبر من أصوات الرفض، التي تريد للعراق أن يبقى اسير الكهوف والحقب الترابية، المغبرة. أمّا جلسات المهرجان والحضور العربي والعراقي والاجنبي فقد جاء متناغماً ومنسجماً مع روح بابل العظيمة، في عظمتها. أنْ تسير في شارع الموكب مثلاً، محفوفاً بالآلهة والمحاربين، تجرُّ مهابتك العربةُ البابلية، مختالاً، متنعماً بما يجود به عليك الفرات الأعظم ذلك شيءُ عجاب.

مؤسف أنَّ بابل حضارةً وقيمةً علياً في التأريخ الإنساني لم تتأسس بعدُ في العقل العراقي الحاكم اليوم، فهو ما زال رهين طواطمه وخرافاته المكتوبة، ويرى في الحجارة الخالدة، بتماثيلها ورسومها وبواباتها وما قدمته للبشرية قبل أن تكتمل الصورة البشرية في أمكنة أخرى مجردَ طين مفخور في الزمن، غير مدرك حقيقة وجوهر ما تنطبق الأرض العراقية عليه. ليس مدينة الحلة الصغيرة بجغرافيتها نهراً يخترقها وبستاناً للنخيل والفاكهة ومصانع للألبان، أو مدينةً مهملةً بالصورة التي رأيناها، تسرق موازناتها، فلا نرى فيها المأمول من البناء والطرق والمؤسسات فيحار زائرها في أيِّ مطعم يجد ضالته في الاكل والتنزه، غير محروم من نعمة الكهرباء، ولا ملام في سلوك متحضر، ولا حائر في متجه ما.

ومؤسف أيضاً أنَّ بابل أو بوابة الآلهة ما زالت في العقل الديني (أرضٌ ملعونة)وعند أحد الشيوخ تنزع البركة من العراق، أو أنْ يختصر أحدُهم مهرجانها الكبير بامرأة ترقص، وآلة موسيقيةً تعزف، وشاعر يقرأ قصيدةً- كما نقرأ عند البعض- كان الله في عون الصديق الشلاه وفريقه في المقارعة، وإيجاد الحجج والقناعات عند هؤلاء، الذين يجدون في الفعل الثقافي مفسدةً ومضيعةً للوقت والمال. لم تخلد بابل في الفكر الإنساني لأنها حجارة قديمة، إنّما لأنَّها قدمت للإنسانية معنى كبيراً من معاني الحياة، وأنَّ أجدادنا الرافدينيين كانوا بناةً عظماء، عملوا ما يفوق قدرة العقل البشري، حتى قيل إنَّ الآلهة والجنَّ والسحرةَ هم من بنوها، على الهيأة المعجزة تلك.

من العيب أنْ يقف الحاكم العراقي اليوم مع الحكام السابقين الذين خرّبوا بابل، ويعملون على هدم روحها والنيل من عظمتها، مثما فعل الملك الآشوري سنحاريب(عام 689 ق.م) الذي قام بتدمير المدينة، وإغراقها بالمياه، انتقاماً من ثورتها المستمرة، ضد الحكم الآشوري. أو مع الإمبراطور الفارسي أحشويرش الأول(عام 482 ق.م) الذي دمّر المدينة تدميراً وحشياً، وقتل الثوار، وأحرق المعابد، بعد انقلاب قام به البابليون ضد الاحتلال الفارسي، أو مع كورش الكبير (عام 539 ق. م ) عظيم الإمبراطورية الأخمينية الذي دخلت بجيشه بابل وأنهى حكم الإمبراطورية البابلية الحديثة، أو مع صدام حسين الذي أراد مسخها بحملة التعمير سيئة الصيت.

وأخيراً: كان حفل الختام على مدرجات المسرح البابلي وثيقةً تاريخيةً تقول: بابل لن تموت على الرغم من كل ما يقعله الجهلة الكارهون، وستظل خالدة ما رنَّ وترٌ، وصدحت أغنيةٌ في الحياة.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها جريدة المدى، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: جريدة المدى — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.